القائمة الرئيسية

الصفحات

الحب في زمن الكورونا

كنت أمر كل يوم عبر الأزقة ذاتها نفسها، أسمع تارة أغاني فيروز وتارة أخرى دعاء وقرآنا وأشم رائحة القهوة وصراخ الأطفال المتحمسين لمدارسهم وأحيانا أسمع شجارا صباحيا فأهمس في نفسي "لو قبّل جبين زوجته وابتسم في وجهها وشكر سعيها في المطبخ لمر يومه دون نكد" ولكن البعض أغبياء لا يفقهون. وكنت ألمح ظل شخص وراء ستائر تلك الشرفة الواسعة التي ازدانت بالنباتات. أظن أن من يسكن ذلك المنزل محب للحياة. إلا أن أمر الظل الذي سيتحول لشبح يؤرقني. هل أنا الوحيدة التي ترى ذلك الطيف؟ هل هو بيت مسكون؟ وبدأ خيال أجاثا كريستي يغزل قصاصا مرعبة وأخرى مشوقة إلى أن جاء ذلك اليوم. أمكث عادة في المنزل يوم الأحد ولكنني أردت اشتراء بعض "الكرواسون" المقرمش فسلكت ذلك الطريق وإذ بي أرى امرأة وقورة قد مضى من عمرها خمسون عاما تقريبا وهي تدفع كرسيا متحركا لرجل تكسو لحية كثيفة وجهه، يضع نظارات شمسية ويغطي رأسه بقبعة. كانت المرأة تحاول فتح الباب الذي يسكنه الشبح وكادت تسقط إلا أنني اندفعت بسرعة وساعدتها.  شكرتني كثيرا وأقسمت أن أشرب معها فنجان قهوة، لم أرى ضرورة من الإعتذار وقد بلغ مني الفضول مبلغا فقبلت. لكنه لم يجلس معنا بل اعتذر ودفع كرسيه وحده وتلاشى ظله في الظلام، لقد بدا منزعجا. عرفت بعد ذلك أنها قد انتقلت منذ عام تقريبا لهذا الحي بعد أن توفي زوجها، لها بنتان تمكثان في فرنسا وابنها الشبح طبعا. لقد كانت تجيب على كل تساؤلاتي دون أن أسألها، كنت أشعر أنها وحيدة ودون أصدقاء أو أقارب. عندما نعتاد الصمت كثيرا وتعلو بيوت العنكبوت حناجرنا فإننا نندفع مع أول حوار حتى نثبت لأنفسنا وللعنكبوت ولحمام الدار أننا لم نفقد القدرة على الكلام وأن الأحزان قد أخرستنا لبرهة. ولحسن حظي كانت تعمل أخصائية في علم الإجتماع وقد كنت أبحث عمن يساعدني في بعض الأمور التي تتعلق بدراستي فرحبت بذلك بكل حب. وتبادلنا أرقام الهاتف على أمل لقاء قريب. 

كان لمروري بعد ذلك من أمام ذلك البيت طعما آخر، فأنا الآن أعلم أن روحا جميلة تسكنه… حسنا روح جميلة وشبح! شبح يطاردني ويقذف التساءلات في رأسي وأنا العنيدة التي إذا سكنت فكرة رأسها الصغير يجب أن أحسن ضيافتها وإلا ذقت الويلات.
إتصلت بها بعد مرور أسبوع كامل وأخبرتها أنني أريد زيارتها فرحبت بذلك. لم يكن ذهابي استجابة للفضول الذي تمكن مني ! ولكنني كنت فعلا أحتاج  مساعدة في بعض المصطلحات والنظريات التي لا تسمن ولا تغني من جوع. إلا أنني لم أره أبدا! كنت أذهب كل آخر أسبوع ولا يخرج أبدا. سألت أمه ذات سبت عنه فتغيرت ملامح وجهها واغرورقت عيناها بالدموع إلا أنها تماسكت وقالت:
- نخرج كل يوم أحد، تلك عادتنا التي لم تتغير، نذهب حيث مزرعة جده المهجورة التي ترعرع فيها، يتأمل الطبيعة ثم نعود للبيت. أصبح غريبا عني منذ تلك الحادثة
ولم تزد حرفا بعد ذلك وكأنها تذكرت أنه لا يجب أن تتكلم في ذلك الموضوع. لمعت في ذهني فكرة جهنمية، أنا التي تغتنم الفرص دوما. فأخبرتها عن رغبتي فيالذهاب معهم  وأنني سأحاول مساعدتها في إدخال البعض من السرور في حياة ابنها. الغريب في الأمر أنه يدير شركة من المنزل! كئيب مثابر مستقل. كيف له أن يجمع بين الأضداد؟ هل سأدرسه كحالة اجتماعية أو كروح انسانية أو كرجل؟ مرعب أمر الخاطرة الأخيرة.

في اليوم التالي اتفقت مع الخالة لجين على أن تنتظرني في أول الشارع  حتى لا يحتج ابنها على قدومي ويرضخ للأمر الواقع ونجحت الخطة. لم أسمع صوته طيلة الطريق وكان يضع سماعة الهاتف ويسمع القرآن. عند وصولنا كنت سأساعده على النزول إلا أنه رماني بنظرة حادة اخترقت فضولي وكادت تسكته إلى الأبد. جلس بجانب أرجوحة مرت عليها سنوات عجاف حتى تغير لونها وصدأت أعمدتها فاتجهت نحوه وقلت: 
- جميلة
فقاطعني قائلا:
- بل قبيجة…قبيحة جدا.
هل كان يعنيني؟ شبح مثابر مستقل وقح! لم أكن لأستسلم بكل سهولة.
-لماذا تصر على المجيء هنا في كل مرة؟
لم يجب.
-هل تشتاق إلى طفولتك؟
لم يجب.
-هل تشتاق…
لم أكمل الجملة لأنه نظر لي شزرا ولم أكن أعلم أنني فتحت الباب أمام عاصفة هوجاء فقال وقد أحسست لوهلة أن عيناه تلتهمني
-لا شأن لك بي، إذا كنت تستمتعين برفقة أمي فأنا لا أقبل شفقة من أحد.
وذهب. عن أي شفقة يتحدث؟ عقد لساني ولم أستطع أن أنفي وابل الإتهامات التي رماني بها زورا وبهتانا. لقد بدأ الحرب وسيجني ثمارها.

لم يثنيني كلامه عن الذهاب كعادتي لمنزله وكان يتعمد المرور بجانبي دون التكلم معي، كانت عيناه بحرا لا شاطئ لهما وكان بركانا هادئا. أستطيع الشعور بالطاقة السلبية التي قد تمكنت منه. كنت أمر ذات يوم أمام منزلهم فرأيته يحاول فتح الباب وحده، استغربت عدم وجود أمه معه! كنت أراقب إنفعالاته وزمجرته وغضبه. بدا عاجزا لأن الغضب قد تمكن منه فاتجهت نحوه وأمسكت المفتاح وتحت هالة الاستغراب تلك لم يستطع قول شيء.
-أين الخالة لجين؟
لم يجب. 
دفعت كرسيه وكان مستسلما.
- إن لم تجبني فسأكلمها.
أخذ مني الهاتف بقوة فسقط وتحطمت شاشته. كدت أبكي لأنه جديد وكنت شديدة الحفاظ عليه. إحمر وجهه وكاد يذهب إلا أنني واجهته:
- لما أنت إنسان شرير وعدواني؟ لما تصر على إيذاء من حولك؟ 
تركته حتى يتمكن منه الشعور بالندم ولم أعلم أنني فتحت جرحا عميقا وأنه ولأول مرة منذ سنوات أطلق العنان لدموعه. بكى ما شاء الله… بكى عجزه وبكى تحجر قلبه ومشاعره وبكى الإنسان الذي تحول إليه على مر السنين.

قررت عدم الذهاب إلى منزل الخالة لجين، كنت أريد أن أثأر لكرامتي وأسكت الفضول لبعض الوقت. وذات يوم وجدت طردا بريديا فوق سريري فأخبرتني أمي بأنه قد وصل منذ قليل. فتحته وإذ بي أتفاجئ بهاتف جوال وورقة كتب عليها "أعتذر". كان يبدو باهظا جدا! لم أستطع قبوله وقلت في نفسي" كان من الأجدرأن يسأل عن العلامة التجارية لهاتفي حتى لا ينفق ثروة صغيرة في هاتف كهذا."

وقررت أن أذهب لمنزل الخالة لجين حتى أعيده. كنت أظن أنني سأجد الرجل ذاته ذو الملامح القاسية المتحجرة والكلام الخشن المؤذي الذي ينفر الناس من حوله.
فتح الباب بنفسه ورحب بي ولم يبدو متفاجئا، كان قد أخذ القليل من لحيته وهذّب هندامه. لم أسمع صوت الخالة لجين فقال:
- ذهبت أمي للمطار لتستقبل أختاي… تشربين الشاي كعادتك ؟ ملعقة واحدة؟ 
لم أجبه وكأن على رأسي الطير.
-تفضلي.
- شكرا!
صمت حل رحاله ولكن سرعان ما تلاشى بصوته الخافت الذي اجتاح المكان فجأة.
- هل أعجبك الهاتف؟
- نعم… لقد جئت من أجل ذلك… الهاتف الذي أرسلته لا يشبه هاتفي… لا أستطيع قبوله!
- أنا مصر على ذلك… لم أقصد ما قلته في ذلك اليوم… قد أبدو مندفعا وعنيفا ولكنني لست كذلك.
- أن تشعر بالأسف لأنك جرحت مشاعري أفضل من أن تعوض ذلك ماديا.
- ليس تعويضا ماديا، هو جبر للضرر الذي تسببت فيه، لن أقبل الرفض.
في تلك اللحظة كانت "الأنا" العادية ستثور وتسمعه وابلا من الشتائم إلا أنني كنت ساكنة بل وجدت ابتسامة طريقها لشفتاي.غريب أمري!
تحدثنا كثيرا… كثيرا جدا بقدر الصمت الذي كان بيننا. كانت صورة الشبح تختفي تدريجيا وهو يتكلم وحلتّ مكانها صورة لرجل ثلاثني رصين جذاب بأفكاره. هل تخلص هو الآخر من خيوط العنكبوت التي كانت تحاصره؟ بدا مندفعا… حزينا… سعيدا… ثائرا… راض… واضحا… ولكن مازال غامضا. رجل التناقضات كلها.
تعرفت على بقية العائلة وأحببتهم جدا، كانت الخالة لجين سعيدة جدا لأن الحياة قد دبت في منزل الشبح! حسنا ليس شبحا جدا… هو فقط رجل قد دأب على الكتمان حتى انفجر. سعيدة لأنه بدأ يتعافى. أتأمله وهو يلاعب الأطفال، له أسنان بيضاء، بيضاء جدا ويجدر به أن يفتخر ويتباهى بها.لا…لا أظنها فكرة سديدة. قد يصيب قلوب العذارى بشيء من الإعجاب ولا أريد لذلك أن يحدث.

بعد الأيام ظهر طيف الشبح شيئا فشيئا، كان يجلس كعادته في الشرفة دون أن يختفي وراء الستائر وبدا مقبلا على الحياة. كان يحييني في كل مرة بابتسامة رائعة، كنت أحاول غض البصر حتى لا تتمكن ابتسامته من اختراق قفصي الصدري الذي أحكمت غلقه بألف قفل، إلا أن القفل فتح! فاعتزلت الذهاب أو المرور من أمام بيت الخالة لجين.
مر شهر وكنت أتواصل معها عبر الهاتف أو الفايسيوك، حتى وجدت مرة طلب إضافة منه. فركت عيناي مرارا لعلها تختفي، لكنها لبثت هناك، معلقة تنتظر مني قبولا أو حذفا أو تجاهلا! فغادرت الفايسبوك حتى لا يعلم أنني أتجاهله ولأول مرة لم أتجاهل تلك الأسئلة الملحة التي قفزت أمامي بعيون بريئة كأطفال ينتظرون إجابة عن استفساراتهم المشاكسة.
لماذا تهربين؟ لماذا لا تزورين الخالة لجين الطيبة؟ لماذا غيرت طريقك؟ لماذا تركت الفايسبوك؟  لست جاهزة بعد للإجابة. فلتبقى الأمور كما هي… على الأقل الآن!

هاتفتني الخالة  لجين بعد أسبوع وعاتبتني لأنني اختفيت فجأة وأقسمت أن أرافق العائلة للذهاب لمزرعة أبيها رحمه الله فاستسلمت لإلحاحها. هل كنت مستعدة لرؤيته؟
- لا.
صدمت عندما رأيته يمشي ويستند على عكازين.  لم أخبركم أنه فقد الجزء السفلي لساقه اليسرى في حادث ورفض أن يرتدي ساقا اصطناعية واستسلم لكرسيه المتحرك لأنه خضع لعدة عمليات حتى استرجع القدرة على الشعور بساقه اليمنى. وقف أمامي فكان طويلا… طويلا جدا! كان كشجرة تظلل طفلة صغيرة وابتسم قائلا:
- كيف حالك؟ لقد مر وقت طويل.
- بخير، إنني مشغولة بالجامعة.
- كان الله في عونك… لقد أرسلت لك طلب إضافة على الفايسبوك. هل رأيتها؟
- آه! فعلا! لا أفتح الفايسبوك مؤخرا حتى أركز في رسالة التخرج.
-آه! حسنا.
لا أعلم لما أبدو كقطة مطيعة حوله وأفقد رباطة جأشي؟
شعرت أنه يهمس لأمه بشيء فنادتني على الفور وأمسكت يدي وقالت:
- لنتنزه قليلا يا عزيزتي.
عندما ابتعدنا قليلا أكملت:
- تعلمين أن لك مكانة خاصة  في قلبي.
-شكرا خالة لجين وأنت أيضا.
- أعتبرك كابنة لي والله يشهد على ذلك… أردت أن أفاتحك في موضوع ما وأرجو أن تفكري فيه جيدا قبل أن تجيبي… بحر يريد أن يتقدم لخطبتك… لقد أخبرني بما حدث منذ أشهر وقد لمست تغيره، أصبح محبا للحياة، مهتما بصحته،مركزا في عمله ولا ينقصه إلا زوجة مثلك. كان يؤجل الأمر بسبب ساقه وأخبرني أن الأمر قد يبدو حساسا بالنسبة لك.
فهمست لنفسي ''لم أشعر أبدا أنه إنسان ناقص أو عاجز بالمعنى المادي! كنت أعلم أنه معطوب لكنني أبدا لا أشفق عليه ولا أشعر أنه ناقص.''
-ها! ما رأيك يا ابنتي ؟
كنت قد ابتلعت لساني فقالت: 
- لا تخجلي يا ابنتي ألسنا أصدقاء؟ سأكون كاتمة لأسرارك. هذا وعد.
لقد بدت حنونة جدا فقلت:
- لا أشعر أنني مستعدة لخوض أي تجربة عاطفية الآن (لم يكن ذلك ما أشعر به فلما يتكلم لساني عكس إرادتي؟) أقصد الجامعة وإيجاد وظيفة حتى أكون مستقلة و...
إبتسمت ثم قالت:
- سبحان الله! تلك الكلمات نفسها التي ألقيت بها على مسامعي زوجي رحمه الله عندما تقدم لخطبتي. الزواج يا ابنتي ليس انتهاء لمسيرتك التي تعبت من أجلها أو أهدافك التي تريدين تحقيقها، بل هو ضرورة حياتية لن تقصي شيئا مما تخططين لفعله. أنا كما تعلمين تزوجت في سن العشرين وكنت حينها أدرس في الجامعة وقد حملت مباشرة ببحر وانقطعت لبعض الوقت ثم أكملت دراستي وبعد أن توظفت أنجبت بناتي وقد كان زوجي نعم الرفيق والمعين والمشجع. أعلم أنك ستفكرين بأن هنالك رجالا يفعلون العكس تماما ويريدون زوجات يلبين طلباتهم وينجبن أبناءهم ويتفرغن للمنزل ولكنني لم أربي بحرعلى ذلك. فالمسكينلم يفكر في الزواج مرة أخرى بعد أن تخلت عنه خطيبته  أثناء الحادث. إبني رجل جيد ومسؤول ومؤمن بقضاء الله وقدره، إلا أن الحادث والأحداث التي تلت ذلك جعلته يائسا ومتهورا وقاس وأشعر أنه قد شفي بسببك.
دغدغت تلك الخاطرة مشاعري، فأخبرتها أنني لا أقرر شيئا دون موافقة أهلي، فردت بأنها ستزورنا قريبا وتم الأمر كذلك.

جلس بحر أمام في جلسة قرأت عنها الكثير في الروايات وسمعت عنها من تجارب الجيران والأصدقاء واليوم حان دوري.
- مرحبا آنسة سما… أعلم أنك متوترة قليلا فأنا أيضا لم يسبق أن قمت برؤية شرعية. حسنا لنبدأ… تعلمين أن اسمي بحر وأني أدير شركة خاصة أي أن الحال ميسور، مضى من عمري 35 سنة، سبق أن خطبت مرة واحدة ولم يبارك الله في ذلك فانفصلنا.
 [وهنا قدرت موقفه الرجولي لأنه لم يذكر السبب ولم يتكلم عنها بسوء وقد تخلت عنه وهو في أمس الحاجة إليها. نقطة لصالحك أيها الشبح!]
 ما جذبني فيك هو روحك المرحة والمحبة للحياة ومساعدتك للآخرين وطبعا التزامك بالحجاب وطاعة الله. أنا قد قبلت بابتلاء الله وفقدان ساقي ولا أرى أنني ناقص أوعاجز ومن الضروري أن أسمع رأيك في هذا الأمر على وجه الخصوص لأنني أريد زوجة ترى أنني رجل كامل في عينيها.
- تلك مشيئة الله، لقد أخبرت الخالة لجين أنني لا أشعر أبدا أنك ناقص أو عاجز، لقد شعرت بالفضول نحو الرجل الغامض الذي يخفي نفسه عن الجميع، أردت أن أساعدك حتى ترى أن في العالم ما يستحق أن تعيش وتحارب من أجله.
تكلمنا حول العديد من الأشياء واتفقنا على أن تكون هنالك مهلة للتفكير وصلاة الاستخارة. كان قبوله بعد أربعة أيام وكان ردي بعد أسبوع كامل. إتفقنا على أن تكون الخطبة بعد شهرين أي في شهر مارس ولم نكن نعلم أن العالم سيشهد وباء سريع الإنتشار ويخلف الكثير من الموتى ويبث الرعب في النفوس. كانت تلك الفترة قاسية جدا إلا أنها هذبت الكثير من النفوس، هل تعلمون أن المساجد أغلقت؟ وعلقت صلاة الجماعة وصلاة الجمعة، حتى أن العمرة توقفت وأغلق المجسد النبوي وكان مشهد الكعبة وهي فارغة مؤلما. كان فيروس كورونا الذي ولد في الصين يفرض علينا أسلوب حياة قاس. كان يوم 18 مارس أول يوم في حظر التجول ولحسن حظي كان يصادف يوم خطبتي.   تستطيعون تخيل مشاعر الجميع ونحن نريد لعلاقتنا أن تتسم بالشرعية وأن نعلن ارتباطنا.
أردت فعلا تأجيل حفلة الخطوبة إلا أن بحر أصر على أن تكون الخطبة في الصباح بحضور كل من أمي وأبي وجدي ووالدته وعمه  وأن تكون حفلة بسيطة. كنا قد خططنا مسبقا على أن يجتمع النساء في مكان ويجتمع الرجال في مكان آخر ومع انتشار الوباء كان كل فرد يجلس في كرسي بعيدا عن الآخر ولم نسلم على بعضنا البعض، لم أكن أشعر بالغضب أو الحزن كما كنت أتوقع بل كان الأمر ممتعا وهأنا أكتب عنه بعد سنوات حتى يعلم أطفالي وأحفادي وكل الناس أن حبنا قد انتصر على ذلك الفيروس وأننا احترمنا الحجر الصحي وأن المسافة بين البحر والسماء قد تقلصت، حتى أن زوجي بحر قد أهداني حينها الكثير من منظفات اليدين والصابون والكحول حتى لا أمرض وكان يزورني مرة في الأسبوع ونلتزم بعدها بالحجر الصحي. كان الناس في تلك الفترة يتقاتلون من أجل الخضروات والمواد الغذائية وطوبى لمن كان يملك الدقيق والطحين، عندما علم بحر بوجود نقص في بعض الأشياء، زارني مرة وهو يحمل أكياسا من الدقيق والطحين وقد أرفقها برسالة صغيرة '' أخاف على بطنك من الجوع ''. أذكر أن أبي قال له وهو يبتسم '' أظن أنك قد دفعت المهر سلفا ''. كان بحر مرحا جدا وكان حبي له يكبر يوما بعد يوم. تزوجنا في ديسمبر من نفس العام وقد انتصرت الإنسانية حينها بفضل الله على الفيروس وكان درسا تعلمنا منه الكثير.


 
حب في زمن الكورونا




هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق

إرسال تعليق