كان يتأبط صحفا كثيرة ويجوب المكان ذهابا وإيابا ويرتدي
نظّارات ومعطفا أبيض وكانت لحيته المبعثرة تخفي تعابير وجهه باستثناء
عينيه الكبيرتين الثاقبتين، وقف طويلا حتى قرر الجلوس قرب النافذة.
كنت أراه كل يوم جمعة بنفس المعطف وفي نفس التوقيت
ونفس المكان. كان يواعد فنجان قهوة وأوراق بيضاء وقلما. كان يكتب كثيرا ولا يوتره
صوت الموسيقى الصاخب أو همسات المحبين شمالا وجدالهم يمينا، فقط كان مأخوذا بما
يفعل حتى أنه لم ينتبه للأعين التي تراقبه، كان يضع أمامه علبة
سجائر دون أن يدخن. الغريب والمريب في الأمر أنه في كل مرة يغادر يحتفظ
بورقة واحدة ويرمي بالعشرات في سلة المهملات. فانتابني الفضول لأقرأ ما خطت يداه
وسولت لي نفسي الضعيفة النبش في سلة المهملات متظاهرة بأنني أضعت شيئا ثمينا. أخفيت
غنيمتي وخرجت مسرعة وكأن بحوزتي مجوهرات مسروقة.
ما هذا الهراء؟ رسومات! وأنا
التي خلته يكتب مقالا أو كتابا! لقد كانت رسومات
غريبة لجسد الإنسان، ملامح غير مكتملة، أعضاء مبتورة، أسنان سوداء، أنف مفقود...
يا إلهي! هل تورطت مع مريض نفسي؟ آه! إنني أعلم أنني حمقاء وأنجذب دائما لغريبي الأطوار.
هل لمحني عندما أخذتها؟ كنت مذعورة
وحاولت التهدئة من روعي "عليك التوقف عن مشاهدة أفلام الرعب". في
تلك الليلة لم يغمض لي جفن، كنت أريد فك شفرة تلك الرسومات. " ماذا تراها
تعني؟" نمت تاركة السؤال يتدلى من سقف غرفتي التي حرصت على أن يظل النور فيها
مفتوحا لأن معي ضيوفا قد يتحلون إلى وحوش.
كان أمامي أسبوع كامل لفك شفرة
تلك الطلاسم قبل أن نلتقي دون موعد. استعنت بجوجل وصديق يدرس في كلية الفنون
الجميلة ولعلي سأزور طبيبا نفسيا حتى يعطيني تفسيرا هو الآخر. سأسميه
"صاحب المعطف الأبيض " إذ لا أحد يلبس اللون الأبيض بتلك الثقة ولا مبالاة في فصل الشتاء إلا
عروسا، فالأبيض لون متناقض، قد يذكرنا بالأفراح كما بالأتراح، ولم أكن أنوي أن
أحزن في تلك الفترة.
بعد ثلاثة أيام كنت قد جمعت
معلومات كافية وصادمة. يظن البعض أن تلك الصور تترجم تعرض الشخص لاعتداء وهو صغير
ويظن البعض الآخر أنها تعبر عن نظرة المرء لنفسه.
كنت أعلم ذلك. لقد تورطت مع شخص
معطوب ولا أعلم السبب الذي دفعني لمعرفة قصته.
ارتديت في يوم الجمعة لوني الأسود
المفضل وكأنني بذلك أحمي نفسي من ذلك البياض المستفز. ذهبت
في وقت باكر حتى أختار مكانا استراتيجيا أراقبه من خلاله دون أن يلاحظ ذلك.
بعد ساعة دخل كعادته إلى الطاولة
الصغيرة بجانب آلة القهوة وأخرج قلمه وطلب قهوة مرة. كان صوته منخفضا، يبدو شاحبا.
أتراه مريضا؟ أم أن الإضاءة سيئة؟ أخرج هاتفه ووضعه أمامه بجانب علبة السجائر
وأخرج أوراقه، لم يرسم، كان ينظر نحو الباب. هل يفكر في الرحيل؟ لا
أرجوك! لم أجمع أجزاء القضية بعد وقد أكون أمام شخصية روائية أبحث عنها
منذ مدة، لن تفلت مني هذه المرة. ولكنه شرب قهوته وجمع أوراقه وغادر، خرجت
وراءه دون تفكير وحاولت أن أقتفي أثره إلا أنه أوقف سيارة
أجرة ورحل وهربت شخصيتي الحبرية البيضاء الغريبة. يأبى الحبر
الأبيض أن يتحول لحبر أسود، لن تظهر الكلمات، لن يقرأها أحد. لكنني كنت عنيدة
وأهوى التحديات الصعبة.
في اليوم الموالي، كنت أحاول قراءة
كتاب عن الأمراض النفسية وسمعت هاجر صديقة الطفولة وزميلة الكفاح في جامعة الآداب
تقول:
- ستؤجل
حصة اليوم ولا أظن أننا سندرس هذا الشهر لأن الأستاذة قد أنجبت ولي العهد ولن تعود
قبل ثلاثة أشهر.
لم أراه منذ ذلك اليوم، كنت أذهب
للمقهى وأنتظر طيلة ثلاثة أسابيع ولكن دون جدوى! أحسست لوهلة أن قصتي لن تكتمل.
بعد مرور شهر عن غياب الأستاذة كنا
نظن أننا لن ندرس تلك المادة أبدا. إلا أنني في ذلك اليوم لمحت شيئا أبيض يتجه نحو
القسم ويكبر شيئا فشيئا وإذ به "صاحب المعطف الأبيض". يا للصدفة! عرفت
بعد ذلك أن اسمه الأستاذ "سعيد". هل كان يرتدي الأبيض المستفز لأنه سعيد
فعلا؟ في الثلاثينات من عمره و لم يكن أستاذا بل دكتورا في مادة التاريخ.
هل كان يعشق التاريخ جدا حتى تخصص فيه؟ لنكتشف ذلك. سأرى شخصيتي البيضاء المستفزة
كل أسبوع. كان يدخل القسم ويتلو الدرس دون ورقة واحدة، كان يدرّس المادة
وكأنه يقص رواية شيقة ننتظر بلهفة أحداثها حتى أننا نحفظ التواريخ وجغرافيا
البلدان عن ظهر قلب دون جهد.
الآن فهمت أنه يستحق لقب الدكتور
عن جدارة.
وعاد يزاول ركنه المعتاد مرة أخرى فتشجعت
حينها وقررت أن أضع حدا وأواجه شخصيتي الحبرية.
-احم، عذرا دكتور...
قاطعني قائلا
-آنسة درة فلتجلسي في صمت حتى أكمل هذا السطر.
ذهلت حينها، فقطع حبل أفكاري مرة أخرى
قائلا:
- ماذا تريدين أن تعرفي؟
- عذرا!
- إنني آتي إلى هذا المكان منذ كنت طالبا
مثلك وأعرف الجميع
وكأن على رأسي الطير!
- أعلم أنك تأتين إلى هذا المكان
أيضا وبحوزتك كتاب وفي الآونة الأخيرة أصبحت تركزين في أوراقي وقد أخبرني النادل
بأنك التقطت الأوراق التي ألقيتها في القمامة. هل أعجبتك؟
احمر وجهي وتلعثمت:
- دكتور...
- أفضل سعيد دون ألقاب آنسة درة.
كان لا بد لي من أن
أتكلم من أجل الدفاع عن استمرارية شخصيتي الحبرية وحتى لا أبدو متطفلة غبية.
- حسنا، أظن أنك قد كشفتني. في الحقيقة أبحث منذ مدة
طويلة عن شخص غريب الأطوار حتى أبني عليه شخصيتي الحبرية... عذار لا أقصد أنك شخص
غريب...
وضاعت الكلمات واحمر وجهي وأصبحت
غريبة الأطوار.
حينها فقط فتح علبة السجائر وأشعل
سيجارة وقال:
- هداك
الله... لقد أقلعت عن التدخين منذ مدة ولا أدخن إلا عندما أشعر بأن الأجواء ستصبح متوترة
جدا!
- عذرا دكتور لم أقصد ذلك أبدا...
ولكنني أبحث عن الإلهام.
- ولكنني سعيد ولست إلهام. وسيكلفك
ذلك الكثير من المال.
حينها ضحكنا، كان دكتورا أبيض مستفزا غريب أطوار إلا
أنه مسل. يا لها من صفات جنونية أبحث عنها.
كنا نلتقي بعد ذلك مرة كل
أسبوع وكان يخصص لي نصف ساعة فقط، حتى أنه يشغل الكرونومتر أحيانا
لأنني ''ثرثارة'' كما يحلو له أن يصفني. لم يكن في البداية يسمح بالأسئلة
الشخصية وبعد ذلك أصبح يتكلم من تلقاء نفسه وكأنه حنفية قديمة صدئة قد تم إصلاحها
فانهمر الماء بغزارة. كان
شخصيتي الحبرية وكنت ورقته البيضاء التي تحفظ كل كلماته. عاش
مراهقة جدّ صعبة بعد موت أبيه، فوجد نفسه مسؤولا عن عائلة مكونة من ثلاثة
أفراد. رفضت أمه أن ينقطع عن الدراسة وأكدت له أنها مفتاح الفرج والبلسم الذي
سيشفي جروحه ويعوضه خيرا. درس وتفوق وأصبحت دكتورا إلا أن شقيقه توفي في حادث
أليم فأصبح يرتدي معطفه الأبيض في أغلب الأحيان، خاصة عند الشروع في
الكتابة لأنه يشعره بالدفء والأمان. وكم شعرت
بالذنب وأنا أسخر من الأبيض الذي يلبسه. لم يبدو سعيدا جدا بعد أن سمعت تفاصيل قصته.
نحن فعلا كتب يريد الآخرون التطفل
لقراءتها وعندما يعجزون أمام الفوضى التي بداخلها يصبحون حكاما وقضاة فترى
الأحكام المسبقة تتسابق بين الحمق كما تتسابق النميمة بين شفاه الأغبياء.
كم نحن حقراء!

تعليقات
إرسال تعليق